رُكـْنُ الفـتْـوَى

أجوبة الدكتور محمد خرشافي. 

بسم الله الرحمان الرحيم


 

السؤال 33:

هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله عز وجل أن يحيه مسكينا ويحشره في زمرة المساكين ؛ رغم أنه ثمة أدعية كثيرة ثابتة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ فيها من الفقر أو يسأل فيها العفاف والغنى والتقى، فهل يدعو الإسلام إلى الفقر؟

الجواب (11 أكتوبر 2008):

ثبوت سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يحيه مسكينا :

لقد ثبت في أحاديث عدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله أن يحييه مسكينا؛ ومن هذه الأحاديث ما رواه الحاكم النيسابوري [المستدرك على الصحيحين (ج 4 / ص 358) 7911] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :" اللهم أحيني مسكينا وتوفني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين، وإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة" قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي قي التلخيص : صحيح.

وفي جامع الترمذي [(279) - (ج 4 / ص 577) 2352] من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة. فقالت عائشة : لم يا رسول الله ؟ قال إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا؛ يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبـي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة).

قال أبو عيسى هذا حديث غريب صحيح

وفي صحيح مسلم [كتاب الرقاق. باب أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ...] من حديث أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين وإذا أصحاب الجَد محبوسون إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء).

وأصحاب الجد : بفتح الجيم، المراد أصحاب الغني والحظ في الدنيا وأصحاب الولايات.

محبوسون : أي : للحساب على الثروة التي خولهم الله إياها؛ ماذا عملوا بها؟ هل أدوا حقوقها...وأحسنوا بها ...أم فرطوا وبدلوا ولم يؤدوا حقوقها وأنفقوها في الشهوات والمحرمات...؟

ثبوت استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر :

وثبت كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بالله من الفقر وذلك في أحاديث كثيرة؛ منها :

ما رواه ابن حبان في صحيحه [(ج 3 / ص 305) 1030] من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول : "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم"،

ومنها حديث عثمان بن أبي العاص [معجم الطبراني في معجمه الكبير ج 9/ ص 59 حديث رقم: 8388] : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : (اللهم إني أعوذ بك من الفقر وعذاب القبر وفتنة المحيا وفتنة الممات).

وغير هذين الحديثين كثير.

معنى المسكين في هذه الأحاديث :

المسكين في هذه الأحاديث : المتواضع كله الذي لا جبروت فيه ولا كبر؛ الهين اللين السهل القريب وليس بالسائل؛ لأن رسول الله قد كره السؤال ونهى عنه وحرمه على من يجد ما يغذيه ويعشيه.

وينظر في ذلك "التمهيد" و"الاستذكار" لابن عبد البر؛ حيث قال وإنما في معنى المسكين: "المسكين ها هنا المتواضع الذي لا جبروت فيه ولا نحوه، ولا كبر ولا بطر ولا تجبر ولا أشر".

وقال ابن جزري في شرح المسكين في مادة "سكن"

(... قد تكرر في الحديث ذِكْر [ المِسْكين والمَساكين والمَسْكَنة والتَّمَسْكُن ] وكلها يَدُورُ معناها على الخُضوع والذِّلة وقلَّة المالِ والحَال السَّيئة . واسْتَكَان إذا خَضَع . والمَسْكَنة : فْقر النَّفس . وتَمَسْكَنَ إذا تَشَبَّه بالمساكين وهم جمعُ المِسكين وهو الذي لا شيء له. وقيل هو الذي له بَعضُ الشَّيء . وقد تَقَع المسْكَنة على الضَّعف؛ ومنه حديث قَيلَة [ قال لها : صَدَقَتِ المْسكينة] أراد الضعفَ ولم يُرد الفَقْر ( قال الهروي : [ وفي بعض الروايات أنه قال لقيلة : [ يا مِسكينةُ عليكِ السكينةَ ]. أراد : عليك الوقار . يقال : رجل وديع ساكن : وقور هادىء ] ا ه . وانظر لهذه الرواية اللسان ).

معنى الفقر الذي استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم :

قال ابن بطال المالكي في شرحه لصحيح البخاري : "والفقر هو استئصال الشىء، يقال: فقرتهم الفاقرة، إذا أصابتهم داهية أهلكتهم، والفقير عند العرب الذي قد انكسر فقار ظهره، ومن صار هكذا فقد حل به الموت، وقد يقال: مسكين لغير الفقير، ولكن لما نقصت حالته عن الكمال في بعض الأمور كما قال - صلى الله عليه وسلم - : « مسكين مسكين من لا زوجة له » وقال لقيلة: « يا مسكينة عليك بالسكينة » قالوا: وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : « اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين » وتعوذ بالله من الفقر، فعلم أنه أسوأ حالا وأشد من المسكنة). اهـ

وقد تنبه ابن قتيبة لما قد يحدث عند بعض من لا يحقق في الأمور وينقصه الفهم الصحيح حيث أورد الإشكال وجوابه وهذا نصه منه بالحرف :

وقال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة صاحب "تأويل مختلف الحديث" :

((قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه تعوذ بالله من الفقر وقال أسألك غناي وغنى مولاي.

ثم رويتم أنه قال : (اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين).

وقال : (الفقر بالمؤمن أحسن من العذار الحسن على خد الفرس).

وقالوا : وهذا تناقض واختلاف؟

قال أبو محمد : ونحن نقول إنه ليس ههنا اختلاف بحمد الله تعالى. وقد غلطوا في التأويل، وظلموا في المعارضة، لأنهم عارضوا الفقر بالمسكنة، وهما مختلفان. ولو كان لقال : اللهم أحيني فقيرا وأمتني فقيرا واحشرني في زمرة الفقراء. كان ذلك تناقضا كما ذكروا.

ومعنى المسكنة في قوله : احشرني مسكينا التواضع والإخبات كأنه سأل الله تعالى أن لا يجعله من الجبارين والمتكبرين ولا يحشره في زمرتهم.

والمسكنة حرف مأخوذ من "السكون" يقال تمسكن الرجل إذا لان وتواضع وخشع وخضع

ومنه قول النبي صلى الله عليه و سلم للمصلي تبأس وتمسكن وتقنع رأسك.

يريد تخشع وتواضع لله عز و جل.

والعرب تقول بي المسكين نزل الأمر لا يريدون معنى الفقر إنما يريدون معنى الذلة والضعف وكذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم لقيلة يا مسكينة لم يرد يا فقيرة وإنما أراد معنى الضعف.

ومن الدليل على ما أقول أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لو كان سأل الله عز و جل المسكنة التي هي الفقر لكان الله تعالى قد منعه ما سأله لأنه قبضه غنيا موسرا بما أفاء الله عز و جل عليه وإن كان لم يضع درهما على درهم.

ولا يقال لمن ترك مثل بساتينه بالمدينة وأمواله ومثل فدك إنه مات فقيرا والله عز و جل يقول { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)} [الضحى/6-8].

والعائل الفقير كان له عيال أو لم يكن والمعيل ذو العيال كان له مال أو لم يكن فحال النبي صلى الله عليه و سلم عند مبعثه وحاله عند مماته يدلان على ما قال الله عز و جل لأنه بعث فقيرا وقبض غنيا ويدل على أن المسكنة التي كان يسألها ربه عز و جل ليست بالفقر)). انتهى كلام ابن قتيبة.

انظر : تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص167..169.

 

السؤال 32:

كيف يرى الإسلام العلاقة بين الزوجين في حالتي الوفاق والخلاف؟

الجواب (12 غشت 2008):

إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ونَوَّعَه شعوبا وقبائل ليتعارف بعضه ببعض، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) [الحجرات/13]؛ هذا التعارف العام بين البشرية الذي تفيده كلمة الناس التي تطلق على مطلق بني البشر ذكرهم وأنثاهم صغيرهم وكبيرهم مؤمنهم وكافرهم...

ومن أقسام هذا التعارف العام تعارف خاص هيأ الله له البشرية؛ تعارف بين الذكر والأنثى؛ وهو تعارف من أجل استمرار الخليقة على وجه الأرض؛ وبدون هذا القسم من التعارف لا يتم للإنسان قرار ولا بقاء في هذه الحياة؛ وقد جبل الله عليه هذه الصنفين الذكر والأنثى؛ فجعل في الذكر نزوعا نحو الأنثى، وجعل في الأنثى نزوعا نحو الذكر؛ وهو نزوع ملزم للجنسين معا ليتم التعارف بينهما من أجل التكامل والبقاء والاستمرار النوعي في الأرض.

ولما كانت الغاية من خَلْقِ الخَلْقِ عبادته سبحانه وتعالى هيأ الله هذا التعارف بين الزوجين ليتم استمرار النسل؛ ومن ثم استمرار عبودية المخلوقين لخالقهم : [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعـــَوَا اللَّهَ رَبَّهُـــــمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَـــكُونَنَّ مِنَ الشَّــــاكِرِينَ (189)] [الأعراف/189]؛ ولما أراد الله لهذا التعارف بين الزوجين أن يجعله مبنيا على أسس ثابتة أرسل الرسل وشرع الشرائع لتنظم جميع عناصر هذا التعارف وهذه العلاقة بين الزوجين.

إن أساس هذه العلاقة السكون والاطمئنان من هذا إلى هذه، ومن هذه إلى هذا، سكون متبادل، وتكامل لا يستغني عنه أحد الطرفين؛ علاقة حب وود مستمر، علاقة سماها الله سبحانه وتعالى بالميثاق الغليظ؛ قال تعالى : [وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)] [النساء/21].

علاقة حنو وعطف؛ علاقة بذل وعطاء، علاقة تظلل بيت الزوجية لتعود بالخير العميم على جميع عناصره من ذرية طيبة تنشأ نشأة سعيدة؛ لتأخذ مشعل الهداية والإيمان لنقله لخلفها بيد أمينة واستقامة وصلاح...

وقد يعتور هذه العلاقة ما يعكر صفوها أو يغير مجراها السديد إلى خصومة وخلاف؛ آنذاك ينبغي أن يعمل عنصرا هذه الخلية الزوجية ليعيدا المياه لمجاريها وليعيدا للبيت سعادته؛ فإذا لم تستقم هذه المحاولة جاء دور أولي العقول الراجحة من أهل الزوج، ومن أهل الزوجة؛ ليتدخلا لمهمة الإصلاح؛ قال تعالى : [وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)] [النساء/35]. هذا الإصلاح الذي لا يكون فيه حيف لا على الزوجة ولا على الزوج. وليس للحكمين أن يقوما بما من شأنه هدم هذا البيت؛ بل مهمتهما الإصلاح وليس غير؛ أما اتخاذ قرار الطلاق فهذا ليس من مهمتهما؛ قال تعالى : [إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا].

وهي إشارة في الآية الكريمة لما قامت من أجله حكومتهما بين الزوجين الذين حدث الشقاق بينهما؛ فإن كللت جهود الحكمين بخير وعادت السعادة لترفرف من جديد على هذا البيت؛ فذلك ما نبتغي.

وإن كانت الأخرى؛ ولم تستقم الحياة بينهما على الإطلاق؛ كان آخر الدواء الكي؛ والكي هنا هو الطلاق.

والطلاق بدوره في الإسلام ليس هدما لهذا التعارف بين الزوجين السابقين؛ بل هو علاج لهما معا؛ فقد يكون العيب في الزوج، وقد يكون في الزوجة، وقد يكون فيهما معا؛ فلا معنى في هذه الحالة أن نلزمهما بحياة لا يريدانها معا.

إن الطلاق في هذه الحالة علاج لنوع التعارف الذي بين هذين الزوجين الذين ما أديا المهمة التي خلقا لها؛ وهي مهمة السكون والاطمئنان بينهما؛ وهو فتح لصفحة جديدة قد يتوب فيها الزوجان السابقان إلى رشدهما بعد هذا الطلاق؛ فيراجع كل واحد منهما الآخر؛ فإن قررا العودة؛ فله أن يعيدها بيسر وسهولة ما دامت الرابطة بينهما لم تنفصم بالمرة (داخل العدة)؛ فإن انفصمت (انتهت عدتها) كان ذلك مستدعيا لعقد جديد وصداق جديد ورضا وقبول.

إن عنصر التعارف المؤسس عليه بيت الزوجية في الإسلام يراعى حتى في شرعية الطلاق؛ فإنما شرع الطلاق لإعادة صياغة التعارف لكل من الزوجين؛ لكن لهذا الزوج السابق مع زوجة جديدة، ولهذه الزوجة السابقة مع زوج جديد؛ وهذه الحكمة أشار إليها قوله تعالى : [وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)] [النساء/130] .

فهذا الطلاق فرصة سانحة لحياة زوجية جديدة؛ عَلَّهَا تحقق للطرفين السابقين حياة سعيدة؛ غير التي كانت في تجربتهما السابقة؛ ولهذا قال تعالى : [وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ] .

فهذا يغنيه الله بزوجة أخرى غير تلك السابقة، وهذه يغنيها الله بزوج آخر غير الزوج السابق.

وإذا كانت القوامة في بيت الزوجية في الإسلام للرجل فهي قوامة خير وإصلاح؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خيركم خيركم لأهله ، وأنا من خيركم لأهلي»( صحيح ابن حبان : الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان غ م - (ج 17 / ص 365).

 

السؤال 31:

هل ثبت في الحديث الصحيح أن صاحب القرآن يكتب له في صحيفته بعد موته يوميا ما كان يقرأه هو شخصيا من قرآن في حياته؟

الجواب (6غشت 2008):

إن كل عبد من عباد الله وكل به ملكان يكتبان أعماله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر؛ ومادام العبد حيا في الحياة الدنيا فصحيفة حسناته وسيئاته مفتوحة؛ وقد يكتب للعبد ما لم يعمله مما كان عازما على عمله وهو في شوق كبير لعمله؛ لكن مانعا لم يكن له يد فيه منعه من عمله؛ روى مسلم في صحيحه (ج 10 / ص 21) عَنْ جَابِرٍ قَالَ : (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمْ الْمَرَض).

ومعنى الحديث أنهم يشاركونهم في الأجر بسبب المرض الذي منعهم من المشاركة معهم في الغزو.

ومن الأعمال التي تكتب للعبد وهو لم يعملها ما إذا كان يقوم بعمل صالح من صيام أو صدقة أو صلاة أو تطوع... ثم أصابه المرض أو سافر فمنعه مرضه أو سفره من فعل ما كان مداوما عليه؛ هذا يكتب له ذلك العمل ما دام مريضا، أو ما دام مسافرا، فإذا رجع من سفره أو برئ من مرضه واستأنف طاعته كتب له في صحيفته تلك الطاعة وإن لم يعملها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا".

ومن الأعمال التي تكتب للعبد بعد مماته ويستمر أجرها : الصدقة الجارية؛ أو العلم الذي علمه للناس (مثل تحفيظه لهم القرآن...)، أو ذرية طيبة تركها تترحم عليه فتقول رب ارحمهما كما ربياني صغيرا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" رواه مسلم.

أما أن يكتب له أجر ما لم يقرأه فلا : روى النسائي في السنن الصغرى - المجتبى - (ج 7 / ص 86) عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا وَمَاتَ الْآخَرُ بَعْدَهُ فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قُلْتُمْ قَالُوا دَعَوْنَا لَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَأَيْنَ عَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ فَلَمَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) .

والله أعلم.

 

السؤال 30:

سؤال ورد من أ.م يتعلق بحكم إعطاء الرشوة: للحصول اليوم على وظيفة بعض الشباب الحاصلين على الشهادات يرشون المسؤولين على عدة مستويات في القطاع الخاص والوظيفة العمومية. فإذا حصل شخص على شغل أو ولج إلى منصب مسؤولية بوسيلة الرشوة هذه الممنوعة طبعا من طرف الإسلام، فما هو الأثر على الأجر الذي سيربحه من خلال هذا العمل: فهل هذا الأجر حلال أم حرام؟

الجواب (4غشت 2008):

إعطاء الرشوة من الذنوب الكبائر؛ وهي من البغي والظلم والاعتداء؛ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ؛ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ " [سورة هُود: 102] [البخاري (4686)، ومسلم (2583]

وقال تعالى: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" َ [سورة البقرة: 188].

ولا شك أن تقديم الرشوة للحاكم من أكل أموال الناس بالباطل؛ قال تعالى فيمن هذا شأنه : "سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْت" [المائدة:42]. وقد فسر الحسن البصري السحت الوارد في الآية بالرشوة.

والرشوة من التصرفات السيئة والمحرمة، كما أنها تعرض أصحابها لغضب الله؛ بل ولعقابه في الدنيا والآخرة؛ فإن الله سبحانه يمهل ولا يغفل، وقد يعجل الله للظالم العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا ، مع ما يدخر له في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم » (صحيح ابن حبان : الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ن02 (ج 2 / ص 401).

ولا شك أن الرشوة وسائر أنواع الظلم من البغي الذي حرمه الله.

وهي من كبائر الذنوب، وملعون صاحبها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال : "لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراشي والمرتشي"؛ رواه أحمد وأبو داود، ورواه الترمذي وزاد: "في الحكم"، وقال: "حديث حسن صحيح". وفي رواية: "والرائش"،

والراشي هو المعطي للرشوة، والمرتشي هو الآخذ للرشوة، والرائش هو الساعي بينهما لإيصال الرشوة من المعطي إلى الآخذ.

وأحكام الرشوة هاته لمن يعطيها لاستخلاص حق الغير، أو لظلم، أو للحكم بالباطل، أو غير ذلك من صنوف الاعتداء، أما من اضطر إلى إعطائها لأخذ حقه لأنه إن لم يعطها ضاع منه؛ فهذا لا يأثم لأنه لا سبيل لاستخلاص حقه إلا بذلك، لكن ليكن المسلم على بينة من أمره، ولا يتساهل فيقول هذا حقي، وليس حقه، إذ الله سبحانه وتعالى أعلم بك أيها المسلم، ولا يمكن أن تنفع معه الحيلة.

وبالتالي فمن اضطر لذلك وكانت له أجرة فهذه الأجرة لا علاقة لها بالرشوة وإنما علاقتها بالعمل هل هو مشروع، أو ليس بمشروع، وهل يقوم العامل بهذا العمل الذي وكل إليه على الوجه المشروع دون غش ولا ظلم.

وليتنبه المسلم إلى أضرار الرشوة؛ إذ أن إعطاء الرشوة كثيرا ما يعطل مصالح الناس، فهذا الموظف إذا أعطيته الرشوة واعتادها أصبح لا يريد القيام بعمل إلا إذا أخذ الرشوة عليه؛ فتضيع حقوق من لا يعطيها؛ لذلك لم يبح الإسلام سائر المحرمات إلا لأجل الضرورة، وليس كل حال من الأحوال يسمى ضرورة؛ إذ الضرورة مصطلح شرعي لا يجوز تهوين أمره.

قليتق المسلم الله في نفسه، ولا يقدم على المحرمات لأجل شبهة من الشبه التي قد يجد لها تأويلا ويقدم على استحلال ما هو محرم.

و الله أعلم.

 

السؤال 29:

السلام عليكم، من فضلكم، أود أن أعرف ما إذا كانت درجة سعادة الرجل في الدنيا مؤشرا على سعادته في اليوم الآخر. مثلا، بالنسبة للاضطرابات النفسية التي يعاني منها شخص هل تعني أنه شقي أو تعس وأنه سيكون كذلك في الآخرة. إنه سؤال يحير كثيرا من المرضى. وجزاكم الله خيرا والسلام. انتهى السؤال.

الجواب (18 يوليوز 2008 ):

السعادة يمكن أن نقول إنها تتمثل في صورتين :

سعادة حقيقية لأنها منبعثة من أصل إيماني؛ ومن أمثلتها : السعادة التي تغمر قلب المؤمن إذا قام بعمل من أعمال البر والخير والصلاح؛ كإعانة محتاج، أو إسداء النصح لمن استنصحك، أو تفريج كربة مسلم، أو قضاء حاجة أخيك المسلم، أو إصلاح ذات البين...

وسعادة دنيوية لا صلة لها بعمل الخير ولا بأصل من أصول الإيمان؛ مثل تحصيل ربح مادي، أو فرح ونشوة لانتصار في معركة... فهذه إذا لم تكن لها جذور إيمانية لا تكون سعادة حقيقية.

وقد يصاب المسلم بهم وغم إما بسبب مرض أو أولاد أو زوجة أو مصيبة من المصائب التي حلت به... فقد يكون ما حل به من مصيبة أو مرض أو هم أو غم بسبب ذنب ارتكبه، وقد لا يكون ذلك بسبب ذنب ولكن ليمحو الله سيئات هذا العبد؛ حتى إذا مات مات وقد طهره الله من سائر الذنوب التي ارتكبها في الدنيا؛ روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما من مسلم يشاك شوكة ، فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ، ومحيت عنه بها خطيئة) وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة)،وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما يصيب المسلم ، من نصب ولا وصب ، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه) وروى ابن حبان في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( " إن المؤمن إذا حضره الموت حضرته ملائكة الرحمة ، فإذا قبضت نفسه جعلت في حريرة بيضاء ، فينطلق بها إلى باب السماء ، فيقولون : ما وجدنا ريحا أطيب من هذه ، فيقال : دعوه يستريح ، فإنه كان في غم ، فيسأل ما فعل فلان ؟ ما فعل فلان ؟ ما فعلت فلانة ؟ . وأما الكافر فإذا قبضت نفسه وذهب بها إلى باب الأرض يقول خزنة الأرض : ما وجدنا ريحا أنتن من هذه ، فتبلغ بها إلى الأرض السفلى)، وروى ابن حبان في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله من أشد الناس بلاء ؟ قال : " الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، ويبتلى العبد على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يدعه يمشي على الأرض ، وما عليه خطيئة).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصاب أحيانا بالهم؛ فقد روى الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل به هم أو غم قال : " يا حي ، يا قيوم ، برحمتك أستغيث " " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه.

هذه النصوص وغيرها تدل على ان الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده الصلحين ببلايا وأمراض ومصائب ليكفر عنهم من سيئاتهم وليرفع درجتهم في الجنة...

فمن كثرت عليه المصائب من المؤمنين لا يظن أن ذلك علامة تعاسة في الآخرة، بل هي علامة محبة وخير؛ لكن يكون ذلك فيه الخير العميم له متى رضي بذلك ولم يتسخط ولم يعترض على الله عز وجل.

 

السؤال 28:

هل العلاج الروحي يكون بتحديد الأرواح لمبلغ معين من المال للجلسة الواحدة و هل يتم العلاج بواسطة أرواح أم بواسطة القرآن؟

الجواب (7 ماي 2008):

أولا وقبل كل شيء الذي يشفي هو الله سبحانه؛ قال عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام : "الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)" [الشعراء/78-82].
فالعلاج ينقسم إلى قسمين : قسم مادي وهو من قبيل اتخاذ الأسباب، و هو مشروع.
قسم روحي : وهذا القسم أساسه الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي يملك ذلك، وغيره لا قدرة له على رفع الضر؛ قال تعالى : "وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)" [يونس/107، 108].
و معنى هذا أن الأرواح كانت مؤمنة أو كافرة لا قدرة لها على رفع الضر، وبعض الناس يدعون أنهم يستعينون بالجن المسلم في العلاج، يقال لهؤلاء: من أدراك بأنه هذا الجن مسلم؟ هل لأنه ذكر لك ذلك على لسان مصروع أو نحوه؛ فكثير من الجن يكذبون في بيان حقيقة نحلتهم حتى يوقعوا الراقي والمرقى في الشرك والعياذ بالله. وهب أن هذا الجن مسلم، فهو لا يُرى و هو من العالم الغيبي؛ فلا يُستعان به؛ والعقيدة الصحيحة للراقي وللمرقي أن يعتقدا اعتقاداً جازماً أن الشافي هو الله سبحانه وتعالى، وأن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بإذن الله تعالى وقدرته، لأن الذي أنزل الداء هو الذي أنزل الدواء، وهو الذي يرفع البلاء ويدفعه.
وقد ذكر أهل العلم ضوابط للرقية الشرعية ؛ منها : أن تكون بلغة يفهمها الراقي حتى لا يقع في الشرك دون أن يعلمه؛ ومنها : ألا يُستعان فيها بذكر روح من الأرواح كان ملكا أو جنا أو شيطانا؛ قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري [10/195]: "وقد أجمع العلماء على جواز الرقية عند اجتماع ثلاثة شروط أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته وباللسان العربي أو بما يُعرف معناه من غيره وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى".
والروح كانت أيا كانت فهي من قبيل الغائب؛ والاستعانة بالغائب لا تجوز مطلقا؛ وإنما يُستعان بالحاضر الذي يقدر على الإعانة كما قال تعالى عن موسى : "وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)" [القصص/15].
وقد احتج طائفة من أهل العلم على منع الاستعانة و التعامل معهم بقوله تعالى : " هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)" [الشعراء/221، 222].
ويُخشى على هذا الذي يستعين بالجن أن ينطبق عليه قوله تعالى : "وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)" [الأنعام/128]، أو يكون مندرجا في قوله تعالى: "وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)" [الجن/6].
قلت : وإذا كان الأمر كذلك أي أن هذه الأرواح لا تملك أن تشفي أحدا فهل يجوز لها أن تحدد ثمنا لهذه الجلسة؟
الجواب واضح أن لا دخل لها في ذلك.
أما كون القرآن شفاءً وعلاجا فهو منصوص في آيات و أحاديث نبوية؛ منها قوله تعالى : "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)" [الإسراء/82]، وقال عز وجل : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)" [يونس/57]، كما يقول تعالى في سورة فصلت : "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)"[فصلت/44].
وجاء في صحيح البخاري (ج 8 / ص 48) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : "انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ. قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ اقْسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ أَصَبْتُمْ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

 

السؤال 27 (من م.ع):

كيف تتغذى الروح ؟

الجواب (5 ماي 2008):

الإنسان مكون من مادة وروح وقد جعل الله غذاء القسم المادي منه بالمطعومات الطيبة التي أحلها له، وحرم عليه كل ما يمكن أن يؤذيه منها، و ما شرع الله الأحكام الشرعية من حلال وحرام إلا لمصلحة الإنسان لأن الله سبحانه وتعالى منـزه عن أن ينتفع من طاعتنا له، كما أنه منزه عن أن تضره معصية من عصاه منا.
هذا في القسم المادي من الإنسان .
أما القسم الروحي فمبني على أساس أن الذي شرع ما يغذي الجسد هو الذي شرع ما يغذي الروح.
و أساس تغذية الروح يرجع إلى طاعة الله، و لأجل هذا أرسل الله الرسل لتحقيق هذه الطاعة على الوجه الذي يرضاه سبحانه وتعالى لعباده، و لا تتغذى الروح إلا بطاعة خالقها.
وأس الطاعة هو الائتمار بأمره عز وجل والانتهاء عند نهيه؛ ثم تزداد الروح رفعة وفضلا وسؤددا كلما لازمت الطاعة، ولا يكون هذا الفضل للمطيع إلا بعد أدائه لما افترضه الله عليه من فروض؛ وهذا ما يشير إليه الحديث القدسي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إِنَّ اللَّهَ قَالَ : مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ).[أخرجه البخاري]

 

السؤال 26 (من إ.د):

هل يمكن الحديث عن الصحة الوقائية في القرآن الكريم و السنة النبوية؟

الجواب (5 ماي 2008):

دين الإسلام دين صحة وعافية، فجميع تعاليمه تعمل على جعل المسلم صحيحا معافى سليما من كل الأمراض والفتن والمخاطر، وقد بُنِـيَ على النظافة، والنظافة من المقومات الأساسية لتحقيق السلامة و العافية.
وأورد بعض الأحاديث النبوية التي تبين قيمة الوقاية في الإسلام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لله تعالى على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما" [أخرجه مسلم في الجمعة باب الطيب والسواك يوم الجمعة رقم 849]. والاغتسال وقاية من كثير من الأمراض التي يكون سببها تجمع الأوساخ والجراثيم في مكان ما من جسم الإنسان.
والإسلام حريص على نظافة جسم المسلم؛ بل جعل الأسس التي تبنى عليها فطرته أمور خمسة هي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ" رواه البخاري ومسلم. والاستحداد هو حلق العانة.
وروت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب "
رواه البخاري ومسلم.
وروى البخاري في صحيحه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ فَلَمَّا كَانَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ".
و الناظر في هذه الأحاديث و غيرها كثير يرى كيف يعمل الإسلام على تحقيق الوقاية الصحية للمسلم من خلال ما شرعه الله له؛ فالختان يزيل تلك التجاعيد التي تكون في رأس الذكر، التي قد تكون سببا في تجمع الجراثيم فيها...
و إزالة شعر الإبط كذلك يحمي الإبط مما يمكن أن يحل به من أمراض أو رائحة خبيثة بسبب ما يتجمع تحت الشعر من وسخ أو جراثيم..
وتقليم الأظافر يقي الأصابع واليد من الأوساخ التي قد تتجمع تحت رؤوس الأظافر والتي قد تكون سببا في نشر الأوبة أو إيصالها الى الفم و منه إلى البطن...
وحلق العانة يحفظ منطقة العانة من تجمع الجراثيم بها تحت الشعر، وييسر تنظيفها والحفاظ عليها نظيفة طاهرة نقية من كل شائبة.
والمتتبع لأحكام الإسلام يجد أنها كلها تصب في هذا المنحى.
و في تحريم الزنى وقاية من كثير من الأمراض التي يمكن أن تتنقل من المرضى إلى المزني بها و منها إلى غيرها من الرجال...

 

السؤال 25 (من ع.ب):

كيف كان التوازن النفسي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

الجواب (5 ماي 2008):

شاءت العناية الإلهية أن يكون الرسل عليهم الصلاة والسلام من جنس من أرسل إليهم؛ وفي ذلك حكم كثيرة؛ منها : ألا يعترض معترض فيقول: يا رب لو أرسلت إلينا رسولا منا لأطعناه، فقطع الله دابر جميع الاعتراضات التي قد تأتي من هذه الجهة؛ فجعل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بشرا من جملة البشر لكنه اصطفاه واختاره ليكون رسولا إلى بني جنسه، ومعنى هذا أنه قد يعتري هذا الرسول الكريم ما يعتري البشر من الأمور التي لا تنال من اصطفائه لهذه المهمة العظمى؛ مهمة الرسالة، فهو يحزن إذا انتهكت حرمات الله...؛ فهو الحريص على هداية الناس؛ ولذا قال تعالى بشأنه : "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)"سورة الكهف. وقال تعالى كذلك : "لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)"الشعراء.
وفي نفس الوقت إذا اشتد حزنه وغمه لعدم إيمان الناس برسالته الحقة، أو ناله من المشركين إذاية فإن الله سبحانه يسليه ويرفع عنه شدة تلك الإذاية أو يعزيه عن ذلك بما وقع للأنبياء والرسل والمؤمنين السابقين قبله؛ ونجد الله سبحانه في غير ما آية يطمئنه ويخبره بأنه حافظ له ممن يريد به شرا أو كيدا؛ قال تعالى : "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)"سورة المائدة، كما يقول عز وجل في آية أخرى : "فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)" سورة الحجر.
ولما رده أصحاب الطائف ردا مُشِيناً تألم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث الله له ملك الجبال ليأمره بما يفعل في شأن هؤلاء المشركين؛ جاء في صحيح البخاري أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : "هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ : لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي؛ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ؛ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ : ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".
و الخلاصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم موقن بأنه رسول الله؛ فإذا آمن به من عرض عليه دعوته فرح واستبشر، وإذا لم يؤمن به من عرض عليه الدعوة؛ تألم لذلك لشدة رحمته وشفقته على الناس؛ و إن شئت قلت : إن رعاية الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم هي التي تجعل نفسه متوازنة، وكل نفس إذا كانت مؤمنة مطيعة لله عز وجل فإنها تكون مطمئنة؛ وهذا الاطمئنان يورثها التوازن النفسي الكامل؛ فهي تفرح بما يفرح، وتقرح لما يقرح؛ لكن ميزان هذا الفرح وهذا القرح ميزان شرعي، وإذا كان كذلك فإن الفرح والقرح لا يفقدها صوابها ولا ينزع منها توازنها لاعتقادها أن المصائب ابتلاء وامتحان والمؤمن إذا نزلت به مصيبة استرجع و أوكل أمره إلى الله سبحانه وتعالى ؛ قال عز وجل : "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) [البقرة/155-157]".

 

السؤال 24:

هل هناك علاقة بين الذنوب و الأمراض و هل هناك تأثير للأمراض على الذنوب في الإسلام؟

الجواب :

العلاقة قوية بين الذنوب والمصائب عموما، والمصائب منها المصائب البدنية كالأمراض والعاهات والفتن وتسليط الأعداء، والقحط والموت...قال تعالى : "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)" الشورى.
وفي الحديث الذي رواه مسلم : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِه؛ِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ".
والذنوب إذا كثرت وانتشرت ولم تلق تغييرا من الناس فإن المصيبة لا تصيب من تلبس بالذنوب فقط بل تصيب أيضا من رآها ورضي بها ولم يكن له تغيير ولو بقلبه؛ قال تعالى : "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)" (سورة الأنفال).
ومعنى هذا فإن من المصائب ما يكون جزاء وفاقا، ومنها ما يكون كفارة ، ومنها ما يكون رفعا للدرجات، فالأنبياء والصالحون من عباد الله يبتليهم الله ليرفع درجتهم في الآخرة؛ جاء في صحيح البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه أنه قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم وَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا! قَالَ : أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ. قُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ : أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا. وفي جامع الترمذي (سنن الترمذي - (ج 8 / ص 417) من حديث سعد بن أبي وقاص قال : قلت : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ؛ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.

 

السؤال 23:

أيهما أسرع القدر أم العين؟

الجواب :

في دين الإسلام كل ما يحفظ الإنسان من جميع الشرور والآثام، وقد ورد في الحديث أن "العين حق" أي أنها تؤثر ويصاب الإنسان بها. والعين مأخوذة من عان يعين إذا أصابه بعينه، وأصلها من إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه نفسه الخبيثة، ثم ينفث من عينه سهاما بنظره إلى المعين لإصابته بنفتثه،
قال تعالى : " وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51)" سورة القلم، قال ابن عباس وغيره في تفسيرها : أي يعينوك بأبصارهم، ويقول النبي صلى الله عليه و سلم : " العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا " رواه مسلم.
وقد أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم بالاستعاذة من الحاسد، كما في سورة الفلق؛ فقال تعالى: "ومن شر حاسد إذا حسد"، ولذا قالوا "كل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائنا" لأن الحاسد أعم من العائن، فكانت الاستعاذة من الحاسد استعاذة من العائن كذلك، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين؛ فإن وجدت المحسود مكشوفا لا وقاية عليه ولا حفظ أثرت فيه، وإن صادفته حذرا ذاكرا لله مستجيرا به، رجعت تلك السهام ولم تؤذه، بل قد تعود على صاحبها الذي خرجت منه. (انظر :"زاد المعاد" لابن القيم4/162).
وقد ثبتت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم في الإصابة بالعين؛ فمن ذلك ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمرني أن أسترقي من العين" وأخرج مسلم وأحمد والترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا".وأخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه، عن أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله، إن بني جعفر تصيبهم العين، أفنسترقي لهم؟، قال: نعم، فلو كان شيء سابق القدر لسبقته العين.
وإذا أصيب الإنسان بالعين يعالج بالآتي :
1ـ القراءة : فقد قال النبي صلى الله عليه و سلم : " لا رقية إلا من عين أو حمة " (والحِمَة هي السم) الترمذي 2057 و أبو داود 3884 ، و أحمد.
وقد ثبت في صحيح مسلم أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه و سلم فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ : نَعَمْ. قَالَ : "بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيك،َ مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ".
2 ـ ومن طرق العلاج الاستغسال : روى ابن حبان في صحيحه عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنه سمع أباه أبا أمامة، يقول : اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار ، فنزع جبة (والجبة ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدم يلبس فوق الثياب) كانت عليه ، وعامر بن ربيعة ينظر ، قال : وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد، قال : فقال عامر بن ربيعة : ما رأيت كاليوم، ولا جلد عذراء فوعك (وعك : أصابه ألم من شدة المرض والحمى والتعب) سهل مكانه، فاشتد وعكه، فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره أن سهلا وعك، وأنه غير رائح معك يا رسول الله، فأتاه رسول الله e، فأخبره سهل الذي كان من شأن عامر بن ربيعة، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : « علام يقتل أحدكم أخاه ؟ ألا بركت (أي قلت تبارك الله) إن العين حق ، توضأ له» ، فتوضأ له عامر بن ربيعة، فراح سهل مع رسول الله e ليس به بأس«.
والتحرز من العين مقدم ولا ينافي ذلك التوكل بل هو من التوكل؛ لأن في التوكل اللجوء إلى الله الاعتماد عليه في رد أثر العائن، وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة " الترمذي ( 2060 ) وأبو داود ( 4737 )، وأحمد، وابن حبان في صحيحه ويقول : " هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهما السلام "

 

السؤال 22:

لماذا كان داود عليه السلام يصوم يوما و يفطر يوما رغم أنه كان غنيا؟

الجواب :

إن ميزان الأفضلية عند الله عز وجل في جميع الأعمال ما كان فيه الطاعة لله تعالى؛ ثم إن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأحب الأعمال الصالحة إلى الله أدومها، فقد جاء في الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا عمل عملا أثبته. وأثبته بمعنى داوم عليه.
والإنسان إذا داوم على الصوم حياته فهو بين أمرين : إما أن يهزل ويضعف عن القيام بسائر واجبات الحياة التي عليه، وإما أن يعتاد ذلك الصيام فيصير له عادة لا يشعر لها بجوع، بينما في الصوم يوما والفطر يوما تكسير لتلك العادة من جهة، ومن جهة أخرى تقوية للبدن، وهكذا يكون بين أمرين معتدلين، ثم إن الأساس في أفضلية هذا الصوم هو أن الله سبحانه وتعالى يحبه، ولو لم يكن فيه تعليل على الإطلاق إلا أنه محبوب عند الله لكفاه هذه الصفة، فتبين من هذا أن أمر الصيام لا يتعلق بالغنى والفقر، و إنما يتعلق بمرضاة الله عز وجل.
وقد جاء في فضل صيام داود عليه السلام ما رواه البخاري (1079) ومسلم (1159) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام وأحب الصيام إلى الله صيام داود وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوما ويفطر يوما ".

 

السؤال 21:

سأل سائل عن حكم السجود على الخُمرة قائلا: إني أدخل إلى بعض المساجد وقد تكون هذه المساجد غير نظيفة؛ شديدة الغبار؛ فإذا سجدت شعرت بضيق في التنفس من كثرة الغبار التي على السجاد، سؤالي هو : هل يجوز لي أن أصحب معي سجادة صغيرة تكفي للسجود عليها وقاية من كثرة الغبار؛ أو أن ذلك غير جائز؛ ومبتدع ؟

الجواب :

الأصل في السجود أن يكون على الأرض، ولكن إذا كان هناك ما يؤذيك من غبار أو حرارة أو برودة أو غير ذلك...فلك أن تصحب معك إلى المسجد تلك السجادة الصغيرة التي ذكرت؛ قلت : وهي تسمى الخُمرة، وقد جاء في الحديث ما يؤكد ذلك : روى ابن المنذر في الأوسط (ج7 ص413) عن ميمونة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يصلي على الخُمرة".
وروى ابن خزيمة في صحيحه نحوه من حديث ميمونة رضي الله عنها كذلك.
قال أبو عبيد : «الخمرة منسوج يعمل من سعف النخيل، ويرمل بالخيوط، وهو صغير على قدر ما يسجد عليه المصلي، أو فويق ذلك، فإن عظم حتى يكفي الرجل لجسده كله ، فهو حينئذ حصير ، وليس بخمرة.
و عند ابن خزيمة في صحيحه كذلك أن ابن شهاب الزهري قال : لم أزل أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على خمرة ، وقال : عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة.
وعليه فلا حرج في السجود على هذه الخـُمرة؛ وقد تبين لك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يفعل ذلك.

 

السؤال 20:

ما ذا يقول العلماء عن كتاب "غاية الحكيم "
Ghayat al-Hakim / Le Dessein du Sage/ Goal of the wise لمؤلفه المجريطي
Maslama ibn Qasim al-Majriti ؟

الجواب :

ذكر صاحب كتاب : (عيون الأنباء في طبقات الأطباء - (ج 1 / ص 323) ترجمة : مسلمة بن قاسم المجريطي، أبو مسلمة، الأندلسي، المجريطي أي نسبة إلى مجريط وهي المسماة اليوم ب(مدريد) بإسبانيا، وذكر أنه توفي قبل الفتنة التي كانت سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، وذكر من تلامذته طائفة أشهرهم : ابن السمح، وابن الصفار، والزهراوي، والكرماني، وابن خلدون.
وخير من يتكلم على علم الشيخ المجريطي هو تلميذه ابن خلدون، وابن خلدون يقول في مقدمته (ج 1 / ص 303) في (الفصل الثامن والعشرون) تحت عنوان : علوم السحر والطلسمات؛ يقول : هي علوم بكيفية استعدادات، تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر: إما بغير معين، أو بمعين من الأمور السماوية، والأول هو السر، والثاني هو الطلسمات.
وقد بين ابن خلدون أنها محرمة لما تشتمل عليه من الضرر، ولكونها منافية لتوحيد الله عز وجل.
أما تحريمها فلكونها غش؛ لأنها تظهر غير الذهب في صورة الذهب؛ حيث يعتقد من يشتغل بذلك أنه يحول المعادن الخسيسة إلى ذهب خالص.
أما من حيث كونها منافية لتوحيد الله عز وجل: لأنها تعتمد على الجن والشياطين ـ وما يدعون أنهم خدام الكواكب ـ في صنع ما يسمى عندهم بالإكسير.
وقد بين ابن خلدون أن السحر وما شاكله من هذه العلوم كان في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين، وفي أهل مصر من القبط وغيرهم.
ثم جاء مسلمة بن أحمد المجريطي إمام أهل الأندلس في التعاليم والسحريات، فلخص جميع تلك الكتب وهذبها، وجمع طرقها في كتابه الذي سماه غاية الحكيم، ولم يكتب أحد في هذا العلم بعده.
ثم تكلم عن النفوس البشرية؛ ومما قال: ونفوس السحرة لها خاصية التأثير في الأكوان واستجلاب روحانية الكواكب، للتصرف فيها، والتأثير بقوة نفسانية أو شيطانية...ونفوس الكهنة لها خاصية الاطلاع على المغيبات بقوى شيطانية... والنفوس الساحرة على مراتب ثلاثة:
فأولها المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين، وهذا هو الذي تسميه الفلاسفة السحر،
والثاني بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد، ويسمونه الطلسمات، وهو أضعف رتبة من الأولى.
والثالث تأثير في القوى المتخيلة. يعمد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيلة، فيتصرف فيها بنوع من التصرف ويلقي فيها أنواعاً من الخيالات والمحاكاة وصوراً مما يقصده من ذلك، ثم ينـزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظرها الراؤون كأنها في الخارج، وليس هناك شيء من ذلك، كما يحكى عن بعضهم أنه يري البساتين والأنهار والقصور وليس هناك شيء من ذلك. ويسمى هذا عند الفلاسفة الشعوذة أو الشعبذة.
و في موطن آخر قال ابن خلدون في مقدمته: (1/322) : في (الفصل الثلاثون : علم الكيمياء) :
وهو علم ينظر في المادة التي يتم بها كون الذهب والفضة بالصناعة، ويشرح العمل الذي يوصل إلى ذلك، فيتصفحون المكونات كلها بعد معرفة أمزجتها وقواها لعلهم يعثرون على المادة المستعدة لذلك، حتى من الفضلات الحيوانية كالعظام والريش والبيض والعذرات فضلاً عن المعادن. ثم يشرح الأعمال التي تخرج بها تلك المادة من القوة إلى الفعل، مثل حل الأجسام إلى أجزائها الطبيعية بالتصعيد والتقطير وجمد الذائب منها بالتكليس، وإمهاء الصلب بالقهر والصلابة وأمثال ذلك. وفي زعمهم أنه يخرج بهذه الصناعات كلها جسم طبيعي يسمونة الإكسير، وأنه يلقى منه على الجسم المعدني المستعد لقبول صورة الذهب أو الفضة بالاستعداد القريب من الفعل، مثل الرصاص والقصدير والنحاس بعد أن يحمى بالنار فيعود ذهباً إبريزاً. ويكنون عن ذلك الإكسير إذ ألغزوا اصطلاحاتهم بالروح، وعن الجسم الذي يلقى عليه بالجسد. فشرح هذه الاصطلاحات وصورة هذا العمل الصناعي الذي يقلب هذه الأجساد المستعدة إلى صورة الذهب والفضة هو علم الكيمياء.
ثم أشار ابن خلدون إلى أن إمام المدونين في كتب السحر و الكيمياء و الإكسير... هو جابر بن حيان وأن له فيها سبعون رسالة؛ وخلاصة هذه الرسائل كما قال: (كلها شبيهة بالألغاز). ثم قال : (وكتب فيها مسلمة المجريطي ... كتابه الذي سماه رتبة الحكيم، وجعله قريناً لكتابه الآخر في السحر والطلسمات الذي سماه غاية الحكيم. وزعم أن هاتين الصناعتين هما نتيجتان للحكمة وثمرتان للعلوم، ومن لم يقف عليهما فهو فاقد ثمرة العلم والحكمة أجمع.
حقيقة ما يسمى عندهم بالإكسير: قال ابن خلدون في موضع آخر من المقدمة : (والمطلوب بالإكسير قلب المعدن إلى ما هو أشرف منه وأعلى، فهو تكوين وصلاح، والتكوين أصعب من الفساد، فلا يقاس الإكسير بالخميرة. وتحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما يزعم الحكماء المتكلمون فيها، مثل جابر بن حيان ومسلمة بن أحمد المجريطي وأمثالهم، فليست من باب الصنائع الطبيعية، ولا تتم بأمر صناعي. وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات، إنما، هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية وسائر الخوارق).
ويقول ابن خلدون في "تاريخه" مشنعا على من يسلك هذا السبيل: (وما ينضاف إليها من علوم النجامة والسحر والطلسمات ووقفت الشهرة في هذا المنتحل على مسلمة بن أحمد المجريطي من أهل الاندلس وتلميذه ودخل على الملة من هذه العلوم وأهلها داخلة واستهوت الكثير من الناس بما جنحوا إليها وقلدوا آراءها والذنب في ذلك لمن ارتكبه ولو شاء الله ما فعلوه).
قلت : وحتى بعد فهم مصطلحاتهم لن تصل من خلالها إلى شيء ينفعك في الدنيا أو في الآخرة، وكلها منافية لتوحيد الله سبحانه وتعالى بالعبودية له وحده؛ إذ مجمل ما فيها الاستعانة بقوى النفس الخفية، أو بقوى الجن والشياطين لإنجاز أعمال وأمور ...وهي كلها من قبيل صرف الطاعة إلى غير الله عز وجل، وهذا هو السر في كون كل من كان يتحدث في ما كان يسمى عندهم بعلم الكيمياء أو الإكسير ، أو السحر والطلسمات أن يدرجه ضمن علوم الحكمة و أن يعمي على الناس في بألغاز حتى يسلم من حكم أهل الشرع عليه بالكفر والفسق والبعد عن توحيد الله تعالى.
وهذا ما عناه ابن خلدون بقوله: ولما كانت هذه تخليقاً للذهب في غير مادته الخاصة به، كان من قبيل السحر، والمتكلمون فيه من أعلام الحكماء مثل جابر ومسلمة المجريطي. ومن كان قبلهم من حكماء الأمم، إنما نحوا هذا المنحى، ولهذا كان كلامهم فيه ألغازاً حذراً عليها من إنكار الشرائع على السحر وأنواعه، لا أن ذلك يرجع إلى الضنانـة بها [الضنانة هي البخل]، كما هو رأي من لم يذهب إلى التحقيق في ذلك.
وانظر كيف سمى مسلمة كتابه فيها رتبة الحكيم، وسمى كتابه في السحر والطلسمات غاية الحكيم، إشارة إلى عموم موضوع الغاية وخصوص موضوع هذه، لأن الغاية أعلى من الرتبة، فكأن مسائل الرتبة بعض من مسائل الغاية وتشاركها في الموضوعات. ومن كلامه في الفنين يتبين ما قلناه، ونحن نبين فيما بعد غلط من يزعم أن مدارك هذا الأمر بالصناعة الطبيعية. والله العليم الخبير).
وقد أطلت في الجواب على هذا السؤال بيانا للحق وإزاحة لما يعتقده بعض الجهلة في أن المشتغل بذلك من أهل القرب من الله، وأن هذه الخوارق التي يأتيها إنما هي خوارق مصدرها أنه من أهل الولاية.
الخلاصة : أن كتاب غاية الحكيم هو كتاب في السحر والطلسمات وأن من يشتغل به يشتغل بعلم باطل، مناقض لجميع الرسائل السماوية؛ ومناقض لجميع دعوات الرسل؛ لأن دعواتهم قامت على العبودية لله عز وجل؛ بينما السحر وما يليه يعتمد على التوكل والاعتماد على غير الله عز وجل؛ وكل من يعتمد على غير الله في قضاء أموره وتصريفها فهو مشرك بالله عز وجل.

 

السؤال 19:

نحن أبوان نخشى أن يرهقهنا غلام لم يتجاوز سن العاشرة طغيانا و كفراً بسبب سلوكه العدواني و كثرة عصيانه. فهل يجوز لنا شرعا أن ندعو الله عز و جل أن يُحْييه إذا كانت الحياة خيرا له و أن يتوفاه إن كانت الحياة شر له؟

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
روى البخاري في صحيحه (ج 17 / ص 421)5239 - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم: (لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي).
وقد ورد النهي عن دعاء المسلم على نفسه أو على ولده، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (لا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم)(مسلم 4/2304).
و الخلاصة أن على المؤمن أن يدعو لأولاده بالهداية والاستقامة والصلاح، و يجتهد في ذلك عسى أن يستجيب الله له، وكم من ولد كان في صغره شديدا ومتعبا لوالديه، ولكنه صار في كبره صالحا مستقيما، فدعاء الوالد والوالدة لأولادهما مستجاب؛ فاجتهدا في الدعاء له.

 

السؤال 18:

فضيلة الدكتور محمد الخرشافي، أنا فتاة أبلغ من العمر 18 سنة. فارق أبي أمي قبل ولادتي و غادر أرض الوطن. لم يُنفق علي أبي درهما واحدا منذ ولادتي و حتى الآن. فهل يجوز لي شرعا أن أرفع عليه دعوى النفقة، أم أن هذا قد يعتبر نوعا من أنواع العقوق. بالمقابل كيف يمكن أن أبرَّ بأبي رغم الحدود التي تفصل بيننا؟

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
أيها السائلة الكريمة إن الله عز وجل أمر في غير ما آية بعبادته سبحانه وتعالى وقرن ذلك بالإحسان إلى الوالدين؛ قال تعالى في سورة البقرة:" وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ... (83)". وقال تعالى في سورة النساء:"وَاعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى...(36)"، وقال تعالى في سورة الأنعام: " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ألاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا...(151)". و الآيات كثيرة في هذا الصدد، كما أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحث على برور الوالدين وعدم عقوقهما كثيرة؛ منها : قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس وقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت).
و في صحيح مسلم (صحيح مسلم 4/1978) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رغِم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال : من أدرك أبويه عند الكبر؛ أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة).
وأخرج الطبراني في المعجم الأوسط (معجم الطبراني الأوسط 6/340 ح: 6570، و كذا في الصغير وهو حديث صحيح) أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله: إن أبي أخذ مالي. فقال النبي صلى الله عليه و سلم اذهب فاتني به، فأتاه فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه و سلم فقال : إن الله يقرئك السلام و يقول : إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه، ما سمعته أذناه، فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه و سلم: ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: سله يا رسول الله هل أُنفقه إلا على عماته أو خالاته أو على نفسي؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : دعنا من هذا و أخبرنا عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك. فقال : والله يارسول الله ما يزال الله يزيدنا بك يقينا؛ لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. قال: قل وأنا أسمع، قال: قلت:
 

غـذوتك مولوداً ومُنْتُكَ يافعا

تُعَلُّ بما أجني عليك وتنهـل

إذا ليلة ضافتك بالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ

لِـسُقْمِكَ إلا ساهرا أتـململُ

كأني أنا المطروق دونك بالذي

طُرِقْتَ به دوني فعيناي تهُملُ

تخافُ الردى نفسي عليك وإنها

لتعلم أن الموت وقت مؤجل

فـلما بلغت السنَّ والغاية التي

إليها مدى ما فيك كنت أؤمل

جـعلت جزائي غلظةً وفظاظةً

كأنك أنت المنعم المتفــضلُ

فـليتك إذ لم ترع حق أبـوتي

كما يفعل الجار المجاور تفعل

تـراه معـدا للـخلاف كأنـه

بِرَدٍّ على أهل الصواب موكل

ً وحـينئذ قال لـه النبي صلى الله عليه و سلم: أنت ومالك لأبيك).
ومعنى قوله [يافعا: شابا]، [ تنهل: تشرب مرة بعد مرة].
و هل بعد هذا يفكر المسلم في رفع دعوى على أبيه؟؟!!
فاسألي عن أبيك، و زوريه، وعامليه بالحسنى، إن احتاج إلى مال فاعطه مما أعطاك الله، ولا تذكري تقصيره فالله نسأل أن يتجاوز عنه وعنا. آمين.

 

السؤال 17:

ما هي فضيلتكم بعض أنواع الصدقات الجارية التي يمكن بواسطتها المساهمة في شرح الصدور؟

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
الصدقات الجارية هي الصدقات التي لا ينقطع ثوابها؛ بل يستمر أجرها ونفعها باستمرار، و منها: بناء المساجد، أو المشاركة في ذلك؛ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ)، وفي حديث آخر: (من بنى لله عز وجل مسجدا ولو مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة) [المفحص : العش، والقطا نوع من الحمام] والحديث محمول على من شارك في توسعة مسجد مبني ولو بشيء قليل، أو ساهم في بنائه ولو بقدر قليل من المال أو العمل.
و من الصدقات الجارية: كل ما فيه نفع مستمر لعامة المسلمين؛ مثل بناء المستشفيات، أو القناطر، أو إصلاح الطرق، أو شراء آلات تصفية الدم لمن لهم عجز كلوي مثلا...

 

السؤال 16:

أنا شاهد عيان، حضرت عملية دفن رَجُل طويل، فوجدنا صعوبة كبيرة في إدخاله إلى القبر، ثم اضطررنا بعد خلاف كلامي لنقله إلى قبر آخر. فهل حدد الشرع للقبر طولا معينا لا ينبغي تجاوزه. و شكرا على إجابتكم.

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
من السنة أن يعمق القبر ويوسع ليسع صاحبه؛ لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ في قتلى أُحد: «احفروا ووسعوا وعمقوا» قال الترمذي: حسن صحيح.
وعن رجل من الأنصار قال: «خرجنا في جنازة فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم على حفيرة القبر فجعل يوصي الحافر، ويقول: «أوسع من قبل الرأس، وأوسع من قبل الرجلين رب عذق له في الجنة» رواه أحمد، وأبو داود؛ ولأن التعميق أبعد لظهور الرائحة وأمنع للوحش، والتعميق: الزيادة في النزول، والتوسيع: الزيادة في الطول والعرض، ويكفي ما يمنع السباع والرائحة.
ويحرم على الحاشر الذي يدخل الميت في القبر أن يؤذي جثة الميت، فلا زالت ذات حرمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم(كسر عظم الميت ككسره حيا) رواه ابن حبان من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا.

 

السؤال 15:

أنا شخص أعاني من ضيق في التنفس بعد الإفراط في الأكل وخصوصا عند النوم. فهل ثمة حد أقصى للأكل والشرب؟ و جزاكم الله خيرا.

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
قال تعالى: " يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)" سورة الأعراف.
تناولت هذه الآية الكريمة أمرين :
الأمر الأول : توجيه بني آدم إلى ما ينبغي من أخذ الزينة عند إرادة الذهاب إلى المسجد؛ ومن الزينة اللباس وما يواري السوأة؛ فقد كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، رجالا ونساء [صحيح مسلم برقم (3028) وسنن النسائي (5/233) وتفسير الطبري (12/390)]
وكانت المرأة تقول:
اليومَ يبدُو بعضُه أو كُلّه ... وما بَدَا مِنْه فلا أحِلّهُ ...
الأمر الثاني: توجيه بني آدم إلى الاعتدال في الأكل والشرب، وعدم الإسراف فيهما.
ويقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، حَسْبُ الْادَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه،ُ فَإِنْ كان ولابد؛ فَثُلُثٌ لِلطَّعَام،ِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ). والحديث أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان والحاكم.
وقَوْله (شَرًّا مِنْ بَطْنه ) إشارة منه صلى الله عليه و سلم إلى أن النهم في الأكل سَبَب لأمراض كثيرة...و قوله صلى الله عليه و سلم (لُقَيْمَات) تَصْغِير لُقْمَة (يُقِمْنَ) مِنْ الْإِقَامَة وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الْغِذَاء الضَّرُورِيّ. أما الثلث المذكور في الحديث فهو على حسب التقريب و التغليب.

 

السؤال 14:

"أود بكل بساطة أن أعيش حياة عائلية سعيدة. لقد اعتنقت الإسلام و أنا اصلي.
لم أتمكن خلال أربع سنوات من الصيام لأنني كنت مريضة: ِرمامة في الورك، و ضغط شرياني، و داء السكري، و كوليستيرول. و لأنني لا أقدر على تحمل الأدوية، فكيف ينبغي التصرف؟ و كيف يمكن معالجة كل هذه الأمراض؟هل يمكن للحبة السوداء التي أطحنها بنفسي أن تشفيني؟ شكرا مسبقا على جوابكم وإلى اللقاء قريبا

". الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
الجواب حسب عناصر السؤال :
المسألة الأولى: هذا من فضل الله عليك أن هداك للإسلام، فاحمدي الله وأكثري من الحمد له سبحانه وتعالى، وخاصة أنك التزمت بالإسلام عمليا؛ دل على ذلك أنك تصلين.
المسألة الثانية : بشأن عدم صيامك لمدة أربع سنوات، فالصيام واجب عليك ولكن حالتك الصحية هي التي لا تسمح لك بالصيام؛ فاعلمي أنه لا حرج عليك بعدم الصيام ما دمت مريضة، وحالة المرض الذي يباح معه الإفطار ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول: المرض الذي يُرجى برؤه، وهذا يفطر الإنسان بسببه، ومتى شفاه الله من المرض قضى تلك الأيام التي أفطرها.
القسم الثاني : المرض الذي لا يُرجى معه علاج؛ فهذا يفطر الإنسان بسببه ولا يقضي تلك الأيام التي أفطرها، لكنه يطعم مسكينا عن كل يوم أفطره؛ قال تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ... (184)" سورة البقرة.
أي هذا الذي يستطيع أن يصوم ولكنه بعد جهد جهيد يكلفه منتهى طاقته؛ فهذا يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا واحدا.
المسألة الثالثة : و هي هامة جدا ـ أن المرض ابتلاء من الله عز وجل، والمؤمن الذي يؤمن بذلك يرفع يديه ويجأر بالدعاء للذي ابتلاه أن يرفع عنه ذلك، فهو القادر على ذلك، قال تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة السلام :" الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)" سورة الشعراء.
فإذا رُفع عنه البلاء ـ كان مرضا أو غيره ـ شكر الله سبحانه وتعالى، وليلزم الالتجاء إلى الله عز وجل، مع الصبر والرضا وعدم التسخط. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر وكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له). أخرجه الإمام أحمد ومسلم.
المسالة الرابعة : بخصوص الحـبة السوداء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (الْحَبَّةِ السَّوْدَاء ِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّام) رواه البخاري ومسلم. و المسلم إذا تناولها تناولها بنية ما أخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها، ولكن ينبغي للسائلة الكريمة أن تستشير خبيرا في العلاج الطبيعي ليحدد لها الجرعة اليومية الملائمة التي توفق بين جميع تلك الاضطرابات والأمراض، والطريقة الأنسب للاستفادة منها، ومع هذا فاتخاذ الأسباب الأخرى بعرض الأمر على الطبيب المختص لا يتنافى مع ما تقدم.

 

السؤال 13:

ما هو الحل الذي يُعتمد بالنسبة لآلام صدرية ـ لا تُطاق ـ غير عضوية، بسبب عُصاب نفسي جاء بعد صدمة؟

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
إن المؤمن بالله عز وجل قوي بالله ؛ وهذا هو السر في أن المؤمن يكون قوي الجنان إذا أصابته المصائب وحلت بساحته الأزمات لم تترك نفس الآثار التي عادة ما تتركها عند غيره، فهي لا تلبث أن تنفرج عنه؛ لأنه لا يستسلم لها ضعفا وخورا لكنه يعوذ بالله من شرها ويلتجئ إلى الله ليرفعها عنه؛ وبالتالي يخرج من مصارعتها وقد أكسبته قوة لم تكن له قبل حلولها بساحته.
قال تعالى : " الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)"سورة البقرة.
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ أَتَانِي أَبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم فَقَالَ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم قَوْلا فَسُرِرْتُ بِهِ قَالَ لا تُصِيبُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إلا فـُـعِلَ ذَلِكَ بِهِ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ [أي قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون] وَقـُـلْتُ : اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهُ. ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي؛ قُلْتُ : مِنْ أَيْنَ لِي خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟
فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم وَأَنَا أَدْبُغُ إِهَابًا [الإهاب : الجلد قبل الدبغ] لِي فَغَسَلْتُ يَدَيَّ مِنْ الْقَرَظِ [القرظ : ورق شجر يدبغ به] وَأَذِنْتُ لَهُ فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أَدَمٍ [الأدم : الجلد المدبوغ]حَشْوُهَا لِيفٌ فَقَعَدَ عَلَيْهَا فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِي. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قـلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي أَنْ لا تَكُونَ بِكَ الرَّغْبَةُ فِيَّ وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ فِيَّ غَيْرَةٌ شَدِيدَة؛ٌ فَأَخَافُ أَنْ تَرَى مِنِّي شَيْئًا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ بِه،ِ وَأَنَا امْرَأَةٌ دَخَلْتُ فِي السِّنِّ، وَأَنَا ذَاتُ عِيَالٍ.
فَقَالَ : أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذْهِبُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ السِّنِّ فَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ الَّذِي أَصَابَكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي.
قَالَتْ : فَقَدْ سَلَّمْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم؛ فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم؛ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَقَدْ أَبْدَلَنِي اللَّهُ ِبأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم ). [مسند أحمد - (ج 33 / ص 83)15751] و مسلم.
وأول ما تـنـزل بالمسلم المصيبة ـ و المصيبة عامة في الصدمة وغيرها ـ يجب عليه أن يتسلح بالصبر والصلاة قال تعالى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)"سورة البقرة.
و يقول عز وجل كذلك " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصََّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)"سورة البقرة.
وهذا ما جعل الرسول صلى الله عليه و سلم يوجه المرأة المصابة بمصيبة فقد ولدها بأن تتقي الله و تصبر: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي. فَلَمَّا ذَهَبَ؛ قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ. فَأَتَتْ بَابَهُ فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ؛ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ أَوْ قَالَ عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ. أخرجه أحمد والبخاري ومسلم واللفظ له.
وقد رغب الله المؤمن به أن يصبر عند الصدمة الأولى ويهون عليه ذلك في جنب الله عز وجل ويحتسب ذلك كما في الحديث القدسي الذي يقول الله تعالى فيه : (يا بن آدم إذا أخذت كريمتيك، [أي عينيك] فصبرت واحتسبت [ والاحتساب أن تجعل تلك المصيبة هينة عليك في جنب الله عز وجل ] عند الصدمة الأولى لم أرض لك بثواب دون الجنة) (أخرجه أحمد ح:22282 ).

 

السؤال 12:

هل يجوز تقديم صيام الأيام الستة من شوال على صيام القضاء؟

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأصل في البداية دائما بقضاء الديون، ثم بعد ذلك يجوز التطوع، فمن أفطرت في رمضان أياما بسبب حيضتها، أو نفاسها كان عليها أن تبدأ بقضاء الأيام التي أفطرتها، فإذا أتمتها أمكنها ذلك من صيام الأيام الستة، فلو صامت الأيام الستة هي الأولى ما كانت محصلة على الثواب الوارد في صيام الأيام الستة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (من صام رمضان ، وأتبعه بستة أيام من شوال ، كتب له صيام سنة).
فهذه السائلة صامت رمضان إلا الأيام التي أفطرتها بسبب حيضتها؛ فهي لم تتم بعد صيام شهر رمضان فليس لها أجر الأيام الستة إلا بعد إتمام صيام رمضان بقضاء ما أفطرت فيه. و الله أعلم

 

السؤال 11:

كيف كان صيام رسول الله صلى الله عليه و سلم في شعبان، هل يجتهد في نصفه الأول فقط، و هل كان يصوم أيام 13، 14، 15 (الأيام البيض) و أيام الاثنين و الخميس؟

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
حكم صيام التطوع أنه فيه ثواب التطوع في الصوم عموما إلا فيما حرم، و رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا رغب الصحابة في أمر كان هو أول من يفعل ذلك، فقد كان صلى الله عليه و سلم يصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع .
روى مسلم ( 1162 ) عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال : ( فيه ولدتُ ، وفيه أُنزل عليَّ ) رواه مسلم .حرم، و رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا رغب الصحابة في أمر كان هو أول من يفعل ذلك، فقد كان صلى الله عليه و سلم يصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع . حرم، و رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا رغب الصحابة في أمر كان هو أول من يفعل ذلك، فقد كان صلى الله عليه و سلم يصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ( تفتح أبواب السماء كل اثنين وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً آلا امرؤ بينه وبين أخيه شحناء ، قال : فيقال : انظروا هذين حتى يصطلحا . حرم، و رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا رغب الصحابة في أمر كان هو أول من يفعل ذلك، فقد كان صلى الله عليه و سلم يصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع . و روى ابن خزيمة في صحيحه (ج7ص:484 ح:1938) عن عائشة قالت : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الاثنين والخميس ».
قال ابن حجر في الفتح : (قُلْت : وَرَدَ فِي صِيَام يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ ، مِنْهَا حَدِيث عَائِشَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق رَبِيعَةَ الْجَرْشِيّ عَنْهَا وَلَفْظُهُ " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَحَرَّى صِيَام الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس " وَحَدِيث أُسَامَة " رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُوم يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس ، فَسَأَلْته فَقَالَ : إِنَّ الْأَعْمَال تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِم " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ ).
و روى البخاري في صحيحه (ج 4 / ص 363) 1107) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى وِتْر).ٍ
وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر ، وأيام البيض : صبيحة ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة ) . رواه النسائي (2420) وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (1040).
و روى أبو داود (3237) والترمذي (738) وابن ماجه (1651) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا ) . صححه الألباني في صحيح الترمذي (590) .
و الذي يرجع إلى أحاديث رسول الله e الثابتة يجد فيها ما يدل على جواز الصيام بعد انتصاف شعبان ؛ فمن ذلك :
ما رواه البخاري (1914) ومسلم (1082) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ ).
و لذلك حمل العلماء النهي الوارد على صيام النصف الثاني من شهر شعبان بالنسبة لمن استأنفه وخصصه بالصيام، أما من كانت له عادة بالصيام، كرجل اعتاد صوم يوم الاثنين والخميس ، أو كان يصوم يوماً ويفطر يوماً . . ونحو ذلك .
و المرأة لا حرج عليها في أن تقضي الأيام التي أفطرتها في شهر رمضان حينما كانت حائضا، قلت لا حرج عليها في أداء ما عليها من دين حتى ولو كان ذلك بعد منتصف شعبان.
و يتحقق النهي ويتأكد في صيام يوم الشك كما في الحديث : ( لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ )
قال الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين (ص : 412) :
( باب النهي عن تقدم رمضان بصومٍ بعد نصف شعبان إلا لمن وصله بما قبله أو وافق عادة له بأن كان عادته صوم الاثنين والخميس ) اهـ .
وآخر يوم من شعبان وهو يوم الثلاثين يسمى يوم الشك ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامه ، كما ثبت في سنن أبي داود عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَاُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَقَالَ كُلُوا ‏، فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ إِنِّي صَائِمٌ ‏.‏ فَقَالَ عَمَّارٌ : مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم ‏.
و يُضاف إلى يوم 30 من شهر شعبان يوم 29 منه فهو كذلك منهي عنه لأنه وصل بالصيام بين شهر شعبان و شهر رمضان. والله أعلم

 

السؤال 10:

صام رجل اليوم الأول من شهر رمضان في فرنسا التي بدأ فيها الصيام بيوم واحد قبل المغرب، ثم جاء إلى المغرب و قضى فيه بقية شهر رمضان و يوم العيد، فهل يفطر مع المسلمين في فرنسا حتى لا يصوم 31 يوما أم يفطر مع أهل البلد الذي يقيم فيه وهو المغرب؟

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
الجواب : لما انتقل هذا السائل إلى المغرب فهو فيه يفطر مع أهله، ولم يبق له علاقة ببلد فرنسا التي كان فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ) [رواه الترمذي و غيره من حديث أَبِي هُرَيْرَة و هو حديث صحيح]َ، وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعُظْمِ النَّاسِ)، وهذا شبيه بمن سافر في يوم رمضان إلى بلد يتأخر فيها غروب الشمس نظرا لكونها واقعة إلى جهة المغرب، فلو بقي في بلده لكان مقدار يومه مثلا 12 ساعة و لكنه لما سافر صار في يومه 14 ساعة، فهل يفطر مع أهل البلد التي انتقل إليها أم مع البلد التي كان فيها؟ البلد التي يفطر معها هي التي يقيم فيها بعد سفره، وما قيل في ذلك يقال كذلك في الصلاة، فالعبرة في دخول الوقت في البلد التي هو فيها الآن، وليس في البلد التي كان فيها.
قلت ولو كان صيام هذا أكثر من ثلاثين يوما مع العلم أن الشهر العربي يكون إما 29 يوما أو 30 يوما فقط، لأنه في هذه الصورة التي سأل عنها سيصوم 31 يوما.

 

السؤال 9:

السلام عليكم، يا شيخنا ما حكم المرأة التي تذهب إلى طبيب (رَجُل) هنا في أوربا، و قد يكشف عن عورتها؟

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأصل في التداوي أنه مطلوب و الحفاظ على الصحة من الحفاظ على الجسم عموما الذي لا تقوم العبادة إلا به، لكن الشرع لا يجيز للمرأة أن تكشف عورتها إلا عند الضرورة، وفي هذه الحالة عليها أن تبحث عن طبيبة أنثى لمعالجتها، فإن لم تجد واضطرت إلى ذلك اضطرارا آنذاك، فلا حرج إن شاء الله عز و جل. ولتحذر المرأة المسلمة من التوجه إلى الطبيب(الرجل) لأنها تفضل الرجل على المرأة في حالة وجود طبيبة من جنسها.
و لتعلم أن الطبيب المسلم الورع إذا اضطرت إليه مقدم على غير المسلم،لأن الطبيب المسلم شأنه أن يتقي الله عز و جل، و ألا يكشف إلا ما تدعو الضرورة إليه، و أن يلتزم بالضوابط الشرعية في ذلك...
و ما قيل في الرجل يقال في المرأة، إذ الأصل أن يعالج الرجل الرجل و الأنثى الأنثى...
و لما كانت فتوى المجمع الفقهي الإسلامي موفية بالمقصود وجب ذكرها وهي :
فتوى المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وكذلك مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي،(من قرار الدورة الرابعة عشر، المنعقدة بمكة المكرمة ، والتي بدأت يوم السبت 20/8/1415هـ )
وهذا نص الفتوى:
- الأصل الشرعي: أنه لا يجوز كشف عورة المرأة للرجل، ولا العكس، ولا كشف عورة المرأة للمرأة. ولا عورة الرجل للرجل.
- الأصل أنه إذا توفرت طبيبة مسلمة، متخصصة، يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم تتوفر تلك فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة، فإن لم يتوفر ذلك يقوم به طبيب مسلم، ويمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم (أي إذا لم يوجد المسلم) على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد على ذلك، وأن يغض الطرف على قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه، بحضور مَحْرَم، أو زوج، أو امرأة ثقة، خشية الخلوة، وهذا أمر ينطبق على الجميع، مع مراعاة الترتيب حسب ما تيسر.
- في جميع الأحوال المذكورة، لا يجوز أن يشترك مع الطبيب، إلا من دعت الحاجة الطبية الملحة لمشاركته، ويجب عليه كتمان الأسرار إن وجدت.
- يجب على المسئولين في الصحة والمستشفيات حفظ عورات المسلمين والمسلمات، من خلال وضع لوائح و أنظمة خاصة، تحقق هذا الهدف، وتعاقب كل من لا يحترم أخلاق المسلمين، وترتيب ما يلزم لستر العورة، وعدم كشفها أثناء العمليات إلا بقدر الحاجة من خلال اللباس المناسب شرعاً.
و الله أعلم.

 

السؤال 8:

ما هو حكم من ينظر إلى الفتيات العاريات مع محاولة الحديث إليهن؟

الجواب :

جواب على النظر إلى الفتيات العاريات لا يحل و عُــد إلى سورة النور آية غض البصر (رقم 30) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم...فلا يحل بأي وجه من الوجوه ذلك.
وفي حديث جرير قال :" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري ".
وعن الشعبي قال : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " قلت للشعبي : الرجل ينظر المرأة لا يرى منها محرما قال : ما لك أن تتبعها بعينك ؟ .
و في حديث بريدة أنه عليه السلام قال لعلي :" لا تتبع النظرة فإنما لك الأولى وليس لك الآخرة " .
وفي حديث آخر : عن موسى الجهني قال : كنت مع سعيد بن جبير في طريق فاستقبلتنا امرأة فنظرنا إليها جميعا قال ثم إن سعيدا غض بصره فنظرت إليها قال : فقال لي سعيد : الأولى لك والثانية عليك .
وعن داود بن أبي هند قال قال رجل لابن سيرين : أستقبل القبلة في الطريق أليس لي النظرة الأولى ثم أصرف عنها بصري ؟ قال : أما تقرأ القرآن " يغضوا من أبصارهم "، " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور".
و النصوص في هذا الصدد كثيرة.

 

السؤال 7:

هناك حالات مرضية يعجز فيها المريض عن الوضوء و التيمم. فهل يمكن مساعدته على الوضوء أو التيمم؟

الجواب :

القاعدة في الشريعة أن كل واجب يسقط عن المريض بقدر ما لم يستطع القيام به، فمن لم يستطع القيام في الصلاة سقط عنه القيام و لا يسقط عنه غيره ... فمن لم يكن بإمكانه التوضؤ و كان بجانبه من يساعده على ذلك فليتوضأ بمساعدة هذا ، و كذا في التيمم...

 

السؤال 6:

هل يجوز للمسلم أن يوصي في وصيته بوضع حد لحياته بمساعدة طبية في حالة مرض أيس الطب من شفائه؟ أليس هذا شكل من أشكال الانتحار؟

الجواب :

لا يجوز للمسلم أن يوصي بوضع حد لحياته و إن اشتد مرضه و أيس الأطباء من علاجه، فإن فعل فإنه لمْ يَرْضَ بقضاء الله ، ثم هو يُعَدّ منتحرا.

 

السؤال 5:

فضيلة الدكتور الخرشافي، ما هي أحكام المنتحر في الإسلام على مستوى صلاة الجنازة ؟

الجواب :

المنتحر ورد بشأنه أن يوم القيامة يبعثه الله على ما قتل به نفسه ، فمن شرب سما في الدنيا يبعثه الله يوم القيامة يتحسى السم، و من رمى بنفسه من شاهق يبعثه الله على ذلك...أما بالنسبة لتغسيله والصلاة عليه فيتم ذلك له كغيره من المسلمين؛ لأن القاعدة عند أهل السنة و الجماعة أنه لا يُكفرُ أحدٌ بذنب ارتكبه، فما دام يشهد ألا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فهو من أهل القبلة، وجميع أهل القبلة يُصَلى عليهم، أما بالنسبة إلى يوم القيامة فهو في المشيئة إن شاء عذبه و إن شاء غفر له؛ فله سبحانه و تعالى أن يعامله بعدله فيعذبه ... ثم يعفو عنه، و له سبحانه أن يعفو عنه ابتداءً ، ولذلك إذا مات يشهد ألا إله إلا الله فهو في خاتمة المطاف من أهل الجنة.

 

السؤال 4:

ثبت في الحديث الصحيح أن "العين حق". فهل صحيح أن العين قد تودي إلى الوفاة؟

الجواب :

العين حق و تفني الدشور و تعمر القبور و حديث الاغتسال مشهور في العلاج من العين ، فإن لم يمكنه ذلك فليلزم ما صح من أذكار الصباح و المساء و ليجتهد في الدعاء ...

 

السؤال 3:

فضيلة الدكتور خرشافي، ما هي أفضل الطرق للاستشفاء بالقرآن الكريم بالنسبة لمن يجهل اللغة العربية؟

الجواب :

من كان يجهل العربية فليقرا تراجم القرآن الكريم؛ و هذا أمر دعوي، و بجانبه معرفة الحق ليلتجئ إليه ، أما حجر الزاوية في الاستشفاء بالقرآن الكريم لمن لا يعرف العربية أن يكثر من سماع القرآن بقراءة أحد المقرئين الجياد الذين تتوفر في قراءتهم قواعد التجويد و عذوبة الصوت ، والصيغة الحسنة ...

 

السؤال2 :

هل هناك خصوصيات لبعض السور القرآنية في الاستشفاء؟ و هل ينصح بالإكثار من تلاوة سور معينة أكثر من غيرها؟

الجواب :

لا شك أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، و قد ذكر العلماء أن من كان مريضا فليدع بيا رحمن يا رحيم، و من كان مكروبا فليدع بـيَا غَيَّاثَ المستغيثين، و من كان فقيرا فليكثر من الاستغفار و ليدع بيا غني يا كريم... كذلك الأمر بالنسبة لسور القرآن الكريم و آياته ، لكن ينبغي أن يلتمس في ذلك ما صح من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك، فقراءة سورة البقرة تطرد مردة الجن و الشياطين عن البيت و من فيه ثلاثة أيام، و كذلك قراءة آية الكرسي والإخلاص و المعوذتين.

السؤال 1:

قياسا على الجرعات الدوائية التي تختلف حسب درجة حدة المرض، فهل يمكن الحديث فضيلة الدكتور عن اختلاف " الجرعات الروحية" في التداوي بتلاوة القرآن الكريم حسب درجة حدة المرض و من مرض لأخر؟ بعبارة أخرى، هل ثمة حد أدنى من التلاوة بالنسبة للأمراض حتى يكون التأثير فعالا؟ و جزاكم الله خيرا.

الجواب :

الالتجاء إلى الله عز وجل لا يأتي إلا بخير، أما بالنسبة للجرعات الروحية إن صح هذا التعبير فهذا يعود إلى المريض، وطبيعة المرض، و قوة اليقين و شدة التعلق بالله سبحانه و تعالى . و الأمراض المستعصية التي أيس الأطباء من علاجها، يأتي الفتح من الله تعالى في علاجها حسب الأمور التالية : المريض. المرض و نوعه. صلة المريض بربه ودرجة ثقته و تعلقه بربه...




لطرح أسئلتكم على الدكتور محمد خرشافي، أنقر هنا.